عبد الشافى محمد عبد اللطيف

417

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

رودس إلى صقلية إلى جنوب إيطاليا ، بل إن بعض الغزاة المسلمين حاصر روما ذاتها ، العاصمة العتيدة للإمبراطورية الرومانية الكبرى ، ومقر البابوية وكنيسة القديس بطرس ، أم الكنائس في العالم المسيحي ، وكما حاول المسلمون فتح روما ، فقد حاولوا فتح القسطنطينية العاصمة الثانية للمسيحية . ومحاولة المسلمين فتح روما والقسطنطينية معا معناه السيطرة الإسلامية على مواطن السيادة النصرانية في عاصمتيها الشرقية والغربية . وإذا كانت العاصمتان العتيدتان قد نجتا من الفتح لفترة من الزمن ، فقد كانت خسارة الدولة الرومانية الشرقية أمام المسلمين خسارة فادحة ؛ إذ سقطت في أيديهم البلاد التي كانت مهدا للمسيحية ، ويسطو سلطانهم على كل الأقطار التي تضم أشهر وأكبر الكنائس في الشرق ، مثل كنيسة بيت المقدس ، وكنيسة أنطاكيا ، وكنيسة الإسكندرية ، وكنيسة قرطاجنة ، ومن هنا بدأ الحقد النصراني على الإسلام والمسلمين ، ولم ينته بعد ، وأغلب الظن أنه لن ينقضي إلى نهاية الدنيا ، مهما أجرينا معهم من حوارت ، وعقدنا معهم من ندوات ومؤتمرات ، ومهما جرى الحديث في تلك المؤاتمرت والندوات ناعما ، وبدا متسامحا ، فإنه لا فائدة ترجى ما دامت القلوب تنطوي على الحقد من جانبهم ، بل الاحتقار والازدراء لنا ولعقيدتنا ، ونظرتهم دائما نظرة استعلاء وغطرسة . ولقد غذى الاستشراق منذ نشأته - ولا يزال - هذا الحقد في نفوس الأوربيين ، ولحق بهم الأمريكان ، وجعل جذوته متقدة في النفوس ، وليس هناك أمل في أن يزول ذلك الحقد من نفوسهم على الإسلام والمسلمين ؛ لأنه متأصل ومبثوث في مناهج التربية والتعليم عندهم ، فهم ينشؤون الأطفال على كره الإسلام والمسلمين ، وهؤلاء الأطفال الذين ينشؤون على ذلك هم الذين يصبحون حكاما وساسة ، ويبدهم القرار السياسي ، والصورة أمامنا الآن ، وكل شيء يجري أمام عيوننا ونسمعه باذاننا ، ولا نلاقي منهم إلا الإذلال والإهانة في كل مكان ؛ لأنهم يملكون كل وسائل السيطرة والقوة والهيمنة . وإن الحروب الصليبية التي شنّها الغرب المسيحي ضد العالم الإسلامي ، وجنّد لها كل قواه ، هذه الحروب كانت تنفيسا عن الحقد الدفين الذي غذاه الاستشراق ، الذي كانت نشأته الأولى في الكنائس والأديرة « 1 » ، ولا شك أن رجال الكنائس

--> ( 1 ) نجيب العقيقي - المستشرقون ( 3 / 249 ) ، دار المعارف - القاهرة .